عبد الجبار الرفاعي

291

محاضرات في أصول الفقه شرح الحلقة الثانية

تحليلا عقليا فلسفيا تجريديا . ومن مواطن تغلغل علم الكلام في علم أصول الفقه هو هذا الموطن ، وهذه المسألة ترتبط بنظريتنا التي نتبناها في مسألة العصمة ، أي هل معنى كون المعصوم معصوما ان لا يصدر منه فعل مكروه ، أو يجوز ان يصدر منه المكروه ويترك الأولى أحيانا ، أو يجوز ان يصدر منه المكروه ويترك الأولى لمرة واحدة ؟ فما هو الموقف في هذه المسألة ؟ هل العصمة تعني ان المعصوم لا يجوز في حقه فعل المكروه وترك الأولى ، أو يجوز في حقه ذلك وبشكل متكرر ، أو نقول : لا يجوز ذلك بشكل متكرر ويجوز لمرة واحدة ؟ الجواب : في مسألة العصمة توجد بيانات متعددة لعلماء الكلام ، فمنهم من قال : إن العصمة تعني ان المعصوم يترك الحرام ويفعل الواجب ، ولكن يجوز في حقه ترك الأولى وفعل المكروه في حالات محدودة . ومنهم من قال : ان العصمة تعني فعل الواجبات وترك المحرمات وجواز التكرار والمواظبة على ترك الأولى وفعل المكروه ، ومنهم من قال : ان العصمة تعني فعل الواجبات وترك المحرمات ، كما أنه لا يجوز ان يفعل المعصوم المكروه أو ان يترك الأولى ولو لمرة واحدة . إذا على أساس هذه المباني الثلاثة في تفسير العصمة ، يمكن ان نحدد الموقف في هذه المسألة ، فبناء على أن المعصوم يترك الأولى ويفعل المكروه سواء لمرة واحدة أو تكرارا ، لا يمكن ان نستفيد من الترك عدم الاستحباب ، كما لا نستفيد من الفعل عدم الكراهة ، واما ان بنينا على الموقف الأخير ، أي عدم جواز ترك الأولى وفعل المكروه عند المعصوم ، فسوف ننتهي لنتيجة جديدة ، أي لو فعل المعصوم هذا الفعل ( شرب الماء واقفا مثلا ) نستفيد ان هذا الفعل ليس مكروها ، وإلّا لو كان مكروها لما صدر منه ؛ لأنه لا يجوز ان يصدر منه المكروه ، ولو لمرة واحدة .